غانم قدوري الحمد

100

أبحاث في علم التجويد

النون مع سائر حروف الفم حرفا خفيا مخرجه من الخياشيم ، وذلك أنها من حروف الفم ، وأصل الإدغام لحروف الفم لأنها أكثر الحروف ، فلما وصلوا إلى أن يكون لها مخرج من غير الفم كان أخف عليهم ألا يستعملوا ألسنتهم إلا مرة واحدة . . . وذلك قولك : من كان ، ومن قال ، ومن جاء » « 1 » . وتناول علماء التجويد المتقدمون ظاهرة إخفاء النون الساكنة بالبحث والتحليل ، على نحو أكثر تفصيلا مما فعله سيبويه ، فقال أبو عمرو الداني : « وأما إخفاء النون والتنوين فحقّه أن يؤتى بهما لا مظهرين ولا مدغمين ، فيكون مخرجهما من الخياشيم لا غير ، ويبطل عمل اللسان بهما ، ويمتنع التشديد لامتناع قلبهما ، وذلك إذا لقيا حروف اللسان غير الراء واللام ، وسترى هذا مبينا ممثلا - إن شاء اللّه - في موضعه » « 2 » . وقد بين الداني ذلك في الباب الذي عقده لأحكام النون الساكنة والتنوين فقال : « والحالة الرابعة : أن يكونا مخفيين ، وذلك عند باقي حروف المعجم ، نحو : أنفسكم ، وقوما فاسقين ، وإن كنتم ، ولئن قلت ، وقوما قلنا ، وما أشبهه ، والفاء من حيث اتصلت بالتفشي بالثاء بمنزلة الثاء في الإخفاء ، وإنما أخفيا عندهن لأنهما لم يبعدا منهن كبعدهما من حروف الحلق ، فيجب الإظهار للتراخي ، ولم يقربا منهن كقربهما من حروف ( لم يرو ) فيجب الإدغام للمزاحمة ، فأخفيا فصارا عندهن لا مظهرين ولا مدغمين ، وغنتهما مع ذلك باقية ، ومخرجهما من الخيشوم خاصة ، ولا عمل للسان فيهما ، والخيشوم خرق الأنف المنجذب إلى داخل الفم ، وإخفاؤهما على قدر قربهما وبعدهما ، فما قربا منه كانا عنده أخفى مما بعدا منه ، والفرق بين المخفى والمدغم ، أن المخفى مخفف والمدغم مشدد ، واللّه اعلم » « 3 » .

--> ( 1 ) الكتاب 4 / 454 . ( 2 ) التحديد 102 . ( 3 ) التحديد 117 .